الصفحة الأولى arrow تحقيقات arrow تحقيق عن المستشفى الوطني
تحقيق عن المستشفى الوطني طباعة ارسال لصديق
30/07/2007

في المستشفى الوطني:الرائحة النتنة والقطط السائبة والإهمال قضايا ملازمة للمرضى وممارضيهم

متابعة: يحيى ولد الحمد 

 لقد أصبح الحديث عن المستشفى الوطني بالنسبة للمواطنين أمرا عاديا، فلا يمكن أن يقال عنه إلا ما يعرفه الجميع، لأنه لا يلوح في الأفق أمل تغيير واقع هذا المرفق الصحي الكبير، الذي يعتبر الأكبر الذي تمتلكه الدولة الموريتانية، وإرتبط في ذهن المواطن بالعلاج، الشيء  الذي جعل بعض المرضى لا يحسون براحة البال إلا إذا نقلوا إليه، رغم خدماته المتدنية ومعاملاته السيئة، تلك المعاملات التي تدفع بالكثيرين إلى أن يفضلوا مصارعة المرض في المنازل خوفا على أنفسهم، لأنهم يعتقدون أن هذا المستشفى الذي يفتح في الغالب له باب واحد، يدخل منه المرضى والأصحاء معا، يعتقدون أن الدخول إليه يعني سلك طريق أسرع للموت، على الرغم من أن الأعمار بيد الله خالق الكون.

 

المستشفى الوطني هذا لا يمكن أن نمل الحديث عنه، لعل وعسى أن يجد تنبيهنا آذانا صاغية فيتم تحسين وضعيته، إنقاذا لحياة المواطن المسكين الذي لا ملجأ صحي لديه سواه، خصوصا أولئك الذين لا قدرة لديهم على العلاج في العيادات الخصوصية. لذا كانت لنا جولة سريعة ضمن الجولات التي نقوم بها في مرافق الدولة للإطلاع على ما يجري داخلها وكيف تتعامل مع المواطن وهمومه، فكانت لنا من الملاحظات ما لا حصر لها، نورد بعضها هنا: 

 في قسم الحالات المستعجلة: الإهمال والتلاعب بالمرضى

هذا القسم الذي يعتبر بوابة العبور إلى المستشفى الوطني، لا يمكن للمريض أن يجد طبيبا مختصا أو ممرضا يعاينه في الوقت المناسب، فأغلب الأوقات هم خارج غرفة المداومة، إما للتدخين أو لتبادل أطراف الحديث الودي فيما بينهم أو مع أحد المعارف مباشرة أو عبر الهاتف، وجهاز "الراديو" الموجود هناك يتعطل تعطلا من حين لآخر، يؤدي ببعض الحالات الحرجة إلى البحث خارج المستشفى، وبعض العمال يوجهون المرضى لإجراء فحوصات طبية للدم إلى مخبر يديره أجانب، موهمين المرضي ورفاقهم بأنه أهم من كل المخابر في التراب الموريتاني، الشيء الذي يرجعه البعض إلى الزبونية في التعامل.في هذا القسم إذا كتب للمريض العثور على أحد الأطباء أو الممرضين، فإنه لا يباشر علاجه قبل أن يقطع "الكيتانص"، تلك الورقة التي ترتبط بها حياة المريض إذا كان الألم دفع به وبذويه إلى التوجه بسرعة للمستشفى الوطني ولا شيء عنده لها، فالكل يرفض المعاينة قبل إحضارها، وأحيانا يستغل بعض الفراشين والبوابين الفرصة في الوافد الجديد، فيتسلمون منه ثمنها على أمل إحضارها إليه، فيضع الثمن في جيبه ولا يحضرها، فيما يختفي الحديث عنها من طرف الطبيب أو الممرض، بعد أن كان يلح على ضرورة إحضارها-واللبيب تكفيه الإشارة-، ولأمينة الصندوق في هذا القسم تصرف غريب يحكيه مرتادي القسم، فلا تتولاه واحدة إلا كان الخروج عن مكتبها أسهل عليها من الجلوس داخله، فهي غالبا في أحاديث ودية، وأحيانا تجد بنفس القسم صاحبة الصيدلية وهي غارقة في الخياطة أو إستبدال الملابس ولو كنت على عجل من أمرك ومريضك يتألم، ومن الصعب الحصول على بقية مبلغك في صيدلية القسم، فـ"النحاس" دائما غير متوفر لدى الصيدلية.وفي غرفة الحجز الأولى التي يصل إليها الوافد الجديد تنبعث الرائحة النتنة، التي تزيد من مرض الإنسان على مرضه والأسرة لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة، فإذا زاد العدد فإن مصير أصحابها البقاء في الطابور يواجهون الألم بمفردهم.أما الغرفة الأخرى التي يتم فيها الحجز في بعض الحالات، فإن القائم عليها في رحلة دائمة، بعيدا عن مرضاه وكأنه كتب له أن لا يجلس معهم لمعرفة وضعيتهم، فغالبا ما تنتهي الحقنة ويبدأ مرافقي المريض رحلة بحث شاقة عنه في أروقة القسم.وفي الجناح الخاص بالأطفال بقسم الحالات المستعجلة، حدث ولا حرج عن الفوضى وغياب الرعاية، ففي غرفة الاستقبال تنعدم الأسرة، فهي لا تتجاوز أيضا أربع، ولا مكان لمن جاء أثناء إنشغال الأسرة، فالتعامل بطيئ من طرف المشرفين، وليس أمام الأبوين إلا الإنتظار في الطابور خارج الغرفة مع ولدهما وهو يتألم، وإذا كانت هناك حالة مستعجلة جدا وتحت الإلحاح يدخل الطفل ويوضع أرضا لمعاينته.أمام تلك الغرفة المشار إليها آنفا دائما طابور من المنتظرين، وأحيانا تجد أمامك ممرض أو طبيب لابد لك من رحلة بحث عن مترجم لما يقوله ولشرح حالة الطفل، ولعلها ميزة لا تميز هذه الغرفة عن بقية غرف قسم الحالات المستعجلة، وعلى مقربة من تلك الغرفة هناك مراحيض القسم، التي لم يستطع المستشفى الحفاظ على نظافتها، فالرائحة النتنة تنبعث منها، وبجوارها توجد غرفة يحشر فيها الأطفال، حيث لا سعة محددة لها، ففي الغالب تجد في هذه الغرفة عدد من الأطفال يفوق سعتها، مما يدفع لوضع بعضهم أرضا، حيث تعلق له الحقنة هناك، وعلى مقربة منها توجد غرفة لاستراحة الأطباء والممرضين، في الغالب يخرج الواحد منهم وجهه شاحبا، محتجا بأنه لم تتركه أصوات الأطفال ينام أو يستريح لبعض الوقت، وأمام هذه الغرفة غرفة أخرى لحجز الكبار، ليست أحسن وضعية من غرف المستشفى الوطني الأخرى.في هذا القسم يصعب الدخول لعيادة مريض إلا بشق الأنفس، فإما أن تدفع من جيبك للحارس أو الشرطي، وإما أن تبحث عن أحد المعارف ليدخلك إلى هذا القسم لعيادة مريضك، وأحيانا يتبع بعض المواطنين أساليب تحايل على الحارس والشرطي، بإظهار المرض، حيث تصادفت زيارتنا نهاية الأسبوع مع شابين طال إنتظارهما لعيادة مريض، فأقترح أحدهما على الآخر أن يتكئ عليه، مدعيا إصابته في حادث سير، فنجحت العملية مع الحارس، لكن وكيل الشرطة يبدو أنه إنتبه لوجودهما قبل ذلك عند الباب يريدان الدخول، فأستفسرهما عن قضيتهما، فأدعيا إصابة المتكئ في حادث سير، فرافقهما إلى الداخل ليعود بهما في لمحة بصر، قائلا لهما: "هذا أسلوب ركيك هيا أخرجا من هنا"

. في قسم الولادة:تعامل قاسي مع المريضات وقطط سائبة تهدد أطفالهن

في هذا القسم الذي يعتبر من الأقسام المهمة في المستشفى، نظرا لكونه يستضيف النساء اللواتي جئن لزيادة المجتمع بمواليد جديدة، حدث عن واقع مر، حيث الرائحة النتنة التي يصاحبها إنفجار قنابل مرحاضية من العيار الثقيل، الذي يؤثر على الصحة، إضافة لسوء المعاملات من طرف بعض القابلات، اللواتي يتعاملن بطريقة قاسية مع المريضات أثناء عملية التوليد، مما يؤثر عليهن تأثيرا بالغا، فيؤخر عملية الولادة عن وقتها، نتيجة للوضعية النفسية التي وجدت المرأة فيها نفسها، وفي هذا القسم حدث عن القطط السائبة ورحلاتها بحرية تامة، رغم ما لذلك من مخاطر على الأطفال، خصوصا وان المريضات في الغالب تسلمن أنفسهن للنوم في الأوقات التي لا تحس فيها الأم بأية آلام، فيصبح الطفل الوليد عرضة للخطر من طرف قطط القسم التي تتنقل هناك بحرية تامة، وأحيانا تشاهد إحدى القطط وهي تتخذ من بعض الأسرة ملجأ لها، حتى أنه من الطريف أن نزيلات هذا القسم تتحدثن عن مقدم قطة إلى إحدى الغرف وهي على وشك المخاض، فجاءت إلى سرير مقابل لبعض الناس، حيث وضعت ما في بطنها بكل برودة أعصاب، وكأن إحساسها بأن ذلك هو المكان المخصص للعملية، وأنه لا فرق بينها وبين الإنسان.

الاطفال في قسمهم الحلقة الأضعف

يواجه الأطفال بالقسم الخاص بهم من المعاملات غير القويمة ما لا حصر لها، فالطفل هناك لابد أن يكون أهله من ذوي الدخل المرتفع فيحظى بعناية خاصة، حيث توفر له غرفة تليق بمقامه، بدعوى وجود غرف تؤجر، وهي في الغالب يتم الحصول عليها بطرق ملتوية، وإذا كان الطفل غير ذلك، فإنه يوضع في تلك الغرفة الكبيرة التي يحشر فيها العشرات من الأطفال دون تمييز بين الأمراض المعدية وغيرها، وهذا القسم لم تستطع إدارة المستشفى إبقاء بابه الرئيسي في جهة واحدة، فهي تحول البوابة من الشرق إلى الشمال ثم الغرب، والحصول على معاين للحقنة هو عاشر المستحيلات، خصوصا خارج الدوام، فكثيرا ما تلتقي بأربعة أشخاص يتجولون داخل القسم بحثا عن من يبدل الحقنة للطفل أو ينظر حالته السيئة. وتصادفت جولتنا لهذا القسم، مع أحاديث ودية في غرفة المداومة بتوسعة القسم بين ممرضين وممرضات، حيث دخلت عليهم سيدة تريد معاينة طفلها الذي قالت إن حقنته توقفت عن الضخ، فأمضى هؤلاء بعض الوقت في أحاديثهم قبل الرد عليها، لأن هناك ممرضة تحكي قصة "شيقة" بالنسبة للمجموعة، ثم خرجت معها إحداهن وهي تؤكد على ضرورة وقف سرد القصة حتى تعود، لأن فيها "لقبه"-حسب قولها-. ولا يخلو هذا القسم من تأثيرات المراحيض والروائح النتنة التي تنبعث منها، وكأنه لا سبيل لتنظيف مراحيض المستشفى الوطني.

عودة الفوضى لساحات المستشفى وغياب الأمن

عادت لساحات المستشفى فوضى كانت معروفة في السابق، حيث أصبحت اليوم تشهد تجمعات عدة للناس، بعد أن كانت تلك التجمعات محظورة، ويلاحظ أن أغلب المتجمهرين في تلك الساحات هم مرافقي وزائري أصحاب العمليات الجراحية، الذين لم يخرجوا من غرفة الحجز الأولي، حيث يبقى هؤلاء في تلك الساحات لاستقبال الأهل والمعارف وإخبارهم بوضعية المريض، وفي هذه الساحات ينام أحيانا بعض المواطنين، فيصبحون عرضة لعمليات سرقة، فكم من حقيبة إمرأة أو هاتف نقال تمت سرقته أثناء نوم صاحبه في تلك الساحات، لأن هناك بعضا ممن يستغلون فرصة الراحة التي يبحث عنها بعض المواطنين، فيسرقون عليهم، وهي قضية لا تخص النائمين في الساحات، بل إنه داخل جميع أقسام المستشفى الوطني، تسجل من حين لآخر حالات سرقة على المواطنين، مما يؤكد إنعدام الأمن هناك.

فيH2: الأحاديث الودية بين الممرضين على حساب المرضى

داخل هذا القسم تنتصب أمام بعض الغرف قنينات كبيرة من الغاز للتخدير، ترعب المرضى الوافدين الجدد عندما يشاهدونها، حيث تصادف دخولنا مع مريض جديد قادم، فما كاد يشاهدها حتى قال لمرافقيه إنه أصيب بدوار لمجرد رؤيتها.في غرفة المداومة يصعب الحصول على الممرض، لأنه دائما منشغلا بالأحاديث الودية مع رفاقه أو نائما أو يتناول الأطعمة، وكأن المستشفى لم يختر إلا هؤلاء لهذا القسم، ويتميز القائمون على هذا القسم بأنهم دائما يتأخرون في الاستجابة لطلبات المواطنين الباحثين عن من ينظر في وضعية مريضهم.

من لأصحاب العمليات الجراحية؟

المرضى الذين يحضرون إلى المستشفى الوطني بهدف إجراء عمليات جراحية لابد من أن تكون برفقتهم أموالا طائلة، أولا لدفع تكاليف العملية وثانيا لشراء الأدوية وثالثا للحصول على غرفة خاصة، وإلا فإن المريض يحشر في غرفة مليئة بالمرضى الذين لا عناية خاصة بهم إلا من خلال المعرفة، ولا تراع أية معايير في تواجد المرضى داخل الغرفة الواحدة، ومعاينة المرضى لا تتم بالطريقة التي تفرضها وضعية المريض، فهو لابد أن يتألم قبل العثور على المداوم، الذي في الغالب يكون خارج القسم، ويستدعي البحث عنه جهدا مضنيا، كما أن غالبية الذين يتولون المداومة يحتاجون لمترجم بينهم مع المريض لشرح الآلام الطارئة التي يواجهها، ولا يتم الاهتمام بنظافة غرف الحجز للمرضى الذين تجرى لهم عمليات جراحية، رغم الحاجة الماسة إلى ذلك.

...ولصيدلية المستشفى دورها من التلاعب بالمواطنين

في صيدلية المستشفى الموجودة قبالة البوابة الجديدة لقسم الأطفال يصعب الحصول على الدواء بسرعة، فالتعامل بطيئ، من تسلم الوصفة الذي يتم بعد رحلة عناء مع الوقوف من طرف صاحبة الصيدلية إلى قراءتها، ثم التوجه إلى الأدوية لتقديمها وإجراء عملية حسابية للأدوية.صيدلية المستشفى تتناوب على العمل بها بعض النساء اللواتي لا تأتي إلا ووجدتهن بعيدات عن مكان تسلم الوصفة، وهن أيضا لا يتوفرن في الغالب على "بقية الدكديك"، لأن "النحاس" غير متوفر في الغالب وإذا غادرت في إنتظار حصول "الدكديك"، فإنك تحتاج لوقت لإقناعهن ببقاءه عندهن.في هذه الصيدلية لا تخضع العملية الحسابية التي تجري للدواء لمعايير واضحة، فبالإمكان أن تفرض عليك تسعيرة خيالية وأنت مرغم على الرضوخ لها، لأن مريضك تركته يتألم، وتتميز هذه الصيدلية بكثرة تناول صاحباتها لـ"الأطاجين"، الذي يحظرن أثناء تناوله بيع الدواء، فلا يستعملنه بطريقة التناوب على الأكل وإنما يأكلن معا ويوقفن العمل لهذا السبب، كما أن السؤال عن "أكريدي" مسالة عادية هناك.

 مركز الشرطة يحظر على الناس ويشرع لنفسه

مركز الشرطة الموجود بالمستشفى الوطني يعمل به بعض الأفراد التابعين لسرايا حفظ النظام ومفوضية الشرطة بتفرغ زينه1، والإنضمام إلى هذا القسم يحتاج الوساطات من أجل وصول الشرطي إلى ذلك القسم، الذي أصبح بعض أفراده وسطاء في عمليات "تجارية"-إن صح التعبير- تجري داخل المستشفى، فيسهلون الفحوص بمقابل والمعاينة بمقابل والدخول غير مجاني، فهم لهم طريقتهم في التعامل مع الناس، فلابد للمعرفة أو الدفع من الجيب، خصوصا لأصحاب السيارات ولو في أوقات الزيارة، أما خارج تلك الأوقات فإن الدخول بدون إتباع تلك الأساليب يعرض صاحبه للبقاء طويلا في الشارع، وأحيانا يتعامل هؤلاء مع بعض أصحاب سيارات الأجرة، الذين يلجأ إليهم بعض المواطنين لإدخالهم إلى المستشفى مقابل دفع 500 أوقية، لا يستبعد أن تكون فيها نسبة لمسهل الدخول، ويتبع هذا المركز لقسم الأمن بالمستشفى، هذا القسم الذي لا دور له في الميدان، فلا يمكنه توفير الأمن لممتلكات المواطنين إلا إذا "أودعوا" حاجياتهم لأفراده.مركز الشرطة يسهر على منع إستخدام "ريشوه الظو" داخل المستشفى ومع ذلك فهي تستعمل باستمرار من طرف المركز، وسبق أن أدى إستخدامها في السابق إلى تماس كهربائي بغرفة الشرطة كاد يودي بحياة أحد الشرطيين، لهذا فهم يحظرون إستخدامها على الناس ويشرعونها لأنفسهم، كما أنهم يحظرون إدخال الأفرشة إلا على المعارف أو الدافعين من جيوبهم، وإذا كتب القدر لأحد مرافقي المريض أن إنتبه الشرطي إلى تردده الدائم على المستشفى، فإنه يحاول ربط صلة به للحصول تارة على تذكرة النقل وأحيانا على رصيد الهاتف وطورا على ثمن السيجارة.إذا هذا جزء يسير مما يعيشه المستشفى الوطني من خلال جولة سريعة قمنا بها نهاية الأسبوع الماضي، أردنا إطلاع الرأي العام الوطني ومن خلاله الجهات المختصة على ما يعيشه، لعل وعسى أن يساهم ذلك في تحسين وضعيته، وصدق من قال إن "المستشفى الوطني مقبرة فوق السطوح".

 

 
< السابق   التالى >