و يمثل المعاق العقلي خطرا داهما على السلامة العامة، فبعضهم كأنه رسم لنفسه حالة غريبة يعيش فيها، ومساحة محددة يهيم فيها، وكأنه بذلك يراعي الحدود بينه وبين أحد أقرانه "المجانين"، ويحذر كل متطفل من دخول عالمه..
كيف ينظر المجتمع لأصحاب الإعاقة العقلية؟ وكيف ينظرون هم للحركة من حولهم؟ وما هو الواجب تجاههم؟ للإجابة على هذه الاستفسارات كانت "للصحيفة" هذه الجولة التي خرجنا منها بالانطباعات التالية..
الجنون فنون..
الجنون فنون ومآرب وطرق.. و المجنون الحقيقي هو الذي يرى أشياء لا نراها نحن، ويسمع أشياء لا نسمعها نحن، و هو متأكد أنه على حق وأنك أنت هو المجنون..! و يبقى متأكدا أنه على حق وأنه على ما يرام، وأنه أذكى من الجميع..لا يشترط فيه أن يعرف من هو، ولا من أين أتى، ولكل مجنون طريقته وأسلوبه وخطره ومساحته الجغرافية التي يعيش ويتحرك بها.. النماذج كثيرة ومتعددة، فمجنون سوق الميناء رجل في خريف العمر، يتحرك بصورة روتينية وآلية من طريق المستشفى باتجاه السوق وبالعكس، "جنه" يتخلص في معاكسة النساء وتصدر عنه أفعال تخدش الحياء..
وفي "وقفة المشاكل" مجنون من نوع المرتدي "الشورت" و "التي شورت"، وهو مقيد يسمح له بمساحة تجول محددة و يؤدي خدمة اجتماعية ينافس فيها شركات النظافة حيث يقوم بجمع العلب الفارغة و وينظف الأرصفة بدون مقابل.. كما أنه يدخن باستمرار بقايا السجائر، وإذا رآك تدخن فلن يغادرك قبل أن يحصل على سيجار.. ومجنون آخر يبدو عاقلا..! لكنه إذا سمع أحدهم يقول: "كاريكا" فإنه ينقلب في الحال إلى كائن شرير، ولا أحد يعلم سر هذا الاسم، لكن البعض يعتقد أنه ربما يكون اسم "الجني" الذي يسكنه....!
ومجنونة أخرى تلف جسدها في أكياس البلاستيك ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، وحتى في الخريف لا تغادر مكانها في الشارع، كانت تتخذ من شجرة بالقرب من سوق السبخة سكنا لها، ثم انتقلت إلى المحطة ومنها إلى البلدية... وهي خطرة إذا ما تعرض لها أحد، سلاحها الحجارة تطلقها في كل الاتجاهات.
أما سيداتي أو "جاورا" -كما يطلق على نفسه- فهو يجلس في الصباح الباكر على رصيف كرفور BMD يوزع الأوراق على السيارات المارة بجانب فندق "مركير مرحبا"، وإذا سألته عن اسمه يخبرك بأنه ليس له اسم... لكن الكثيرين ممن يعرفونه يؤكدون أنه كان يتمتع بشخصية قوية أثناء عمله بقسم المعلوماتية في جمارك المدينة سابقا، لا يعلمون -بالتأكيد- سبب ما آل إليه، ولا سبب ما يقوم به من توزيع للأوراق على السيارات، وقد يكون السبب الوحيد لقيامه بذلك هو عمله السابق في الجمارك.
خذ الحكمة من أفواه المجانين
السالم، المعروف "بولد أحميد" مجنون.. موهوب.. وحكيم، وهو أحد مجانين مقاطعة دار النعيم، حالته مثيرة للجدل، إذا تحدثت معه تشعر بأنه أكثر ذكاء من منك..! بل نحن المجانين لأننا ننعته بالجنون، لا يحب من الثياب سوى ثياب العسكر، حسن الصوت، يحسن قرع الدف، ويعزف على آلة "الكيتار" بمهارة فائقة، كما أنه خبير بمحاكاة الفنانين..!
يعرف جميع جيرانه، ويقوم بزيارتهم ويسأل عن أحوالهم، يصب جام غضبه على الصبية، في بعض الأحيان يقف ليلقي محاضرات دينية، وفي نفس الوقت يثور على والده وينعته بطول العمر، الجميع يحبون مجالسته لطرافة عباراته التي تفيض منها الحكمة، حالته غير قابلة للتحليل، كان متزوجا قبل أن يصاب بهذه الحالة وله ابن، الكثيرون لا يعرفون سبب حالته، ويقال بأنه أمر وراثي.
ليس مشهورا بالعنف، لا يرضى بالذهاب إلى "الحجاب" ويقول دائما سيشفيني الله، قد تصدر عنه تصرفات عنيفة بسبب مضايقات الأطفال المتكررة له، يرمي الحجارة فوق أسقف البيوت وعلى المارة، لا يسكن البيت ولا الكوخ، بل يتخذ حفرة حفرها قريبا من منزل أهله يهجع إليها في أوقات سكونه، لم يكن يتواجد خارج مقاطعته لكنه في الفترة الأخيرة بدأ متحررا يتواجد بعدة مقاطعات في العاصمة، عندما سألته -أثناء رؤيتي له بمقاطعة عرفات- لماذا أنت هنا خارج مقاطعة دار النعيم؟ سألني ولماذا أنت هنا أيضا؟ إذا نحن جميعا مجانين.
"ماكانيكي" مجنون بسبب ارتفاع المهور.
"ماكانيكي" حديث عهد بالجنون، يكره النساء بصفة عامة، جريء ولاذع العبارات، يستسلم لسطوة الرجال، كثير التجوال بين الأزقة ولا يهدأ أبدا، لو رأى امرأة يضربها بيده مباشرة على الخد أو الظهر إنتقاما ربما.
لقد كان "ماكانيكي" في يوم ما شابا نشطا سويا يعمل باجتهاد وتفان، ويتلخص سبب جنونه -حسب أهالي المقاطعة- التي يعيش أو يهيم فيها بأنه وصل الليل بالنهار في العمل حتى يستطيع توفير مبلغ يكون مهرا لإحدى الفتيات التي اشترط عليه أهلها مهرا يفوق طاقته، بعد مدة من العمل الشاق والمتواصل استطاع "ماكانيكي" أن يجمع مهر تلك الفتاة حيث قام بإيداعه لدى إحدى قريباته، لكن هذه الأخيرة تصرفت في المبلغ، وعندما علم بذلك أراد مراجعة أهل الفتاة حتى يمهلوه بعض الوقت لكنهم لم يصدقوا قصته وقاموا بتزويج الفتاة برجل آخر، عندها انهارت أعصابه بعد أن توالت الأحداث الصعبة عليه، ليصاب بالجنون ويتخلى عن الملابس ويخرج للشارع العام متسكعا بين المارة يردد عبارة لماذا زوجوها لغيري.
المجانين ليسوا في نعيم
"المجنون ماهو افراحه" في الماضي كنا نصدق هذه الجملة عندما نسمعها، لكن الزائر لهم لابد أن يغير رأيه عنهم تماما كمن يقابلهم ويجري حوارا مع أحد المجانين المتواجد في الشارع العام - وهو أمر صعب- لكن الأصعب هو أن يستسيغ المرء أو يفهم أن هذا الشخص يمكن أن يكون مدعيا للجنون لأسباب ربما من بينها الرغبة في الرعاية وتناول الطعام - لا تستغربوا هذا الأمر لأنه واقع- فلو ذهب أحدكم لدور رعاية الأيتام وبعض المنظمات الخيرية ستجدون أناسا يبدوا على ملامحهم البؤس والشقاء والجنون، الفرق الوحيد هو أنهم مجانين جائعون جائزتهم الوحيدة أن تقول لأحدهم هناك "سيجاره" أما الضرب فهو لغة التخاطب التي يفهمها الكثير منهم، والتعذيب ما هو إلا تفريغ للكبت الذي يعاني منه المريض العقلي والممرضات لسن بأحسن حالا في معاملتهم داخل المشافي، الكل ضجر من المجانين لا إنسانية ولا شفقة، والأدهى أن الأدوية والمهدئات تباع بأسعار مضاعفة لمرافقي المرضى، وأحيانا تتم سرقة ممتلكات هؤلاء داخل المستشفى، كما أن هناك أمرا لا يقل خطورة عن سوء المعاملة وهو ظاهرة "تهريب" المجانين الذين امتلؤوا من الكبت وساءت حالتهم وعجز الأطباء عن مساعدتهم على التحسن إلى الشارع العام والأرصفة والأسواق ليعيشوا حياتهم بحرية مجنونة، والسبب ببساطة هو عدم وجود من يسأل عنهم، أو يسائل المسؤولين عن رعايتهم، وبدلا من أن نعتبرهم بشرا يجب إيوائهم، الجميع يخشاهم ويعتبرهم قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.
الدكتور يحفظ ولد الحسن منسق البرنامج الوطني للصحة العقلية للصحيفة:
"غياب الإطار القانوني يحول دون التكفل بالمرضى العقليين المتواجدين في الشارع العام"
من الأهداف التي أنشئ من أجلها البرنامج الوطني للصحة العقلية التحسيس بأن المريض العقلي كأي مريض آخر ولا يوجد تمييز عندما يتم التكفل بهذا المريض، لأنه في حالة خلل وظيفي عابرة قد تزول في أية لحظة.
لقد تم وضع استراتيجية طموحة للأمراض العقلية في موريتانيا، في هذا الصدد تم تكوين أشخاص مختصين في هذا المجال و آخرين غير مختصين حتى يكونوا مؤهلين للتكفل بالمرضى العقليين، إن غياب الإطار القانوني الذي ينظم العمل في هذا المجال يحول دون التكفل بالمريض العقلي، هناك دراسة وضعت في ديسمبر 2003 لمعرفة أنواع الأمراض العقلية في موريتانيا وكانت نتيجتها أن كل شخص من 3 أشخاص قد أصيب في مرحلة من مراحل حياته بمرض نفسي، وهذا الأمر يقودنا إلى أن المواطن الموريتاني يجب أن يعي كيفية التعامل مع الأمراض النفسية، و يغير نظرته للمريض النفسي، إن ترقية الصحة العقلية في موريتانيا هي من ضمن أهداف البرنامج، كما أننا نقوم بالتحسيس والتكوين وتوفير الخدمات للمرضى في مكان إقامتهم، لدينا عدة ممثليات في الداخل ومن أكثرها نشاطا ممثلية نواذيبو، كما أنه يوجد لدينا مركز يختص بمعالجة المرضى العقليين في العيادة المجمعة وسط المدينة.
الدكتور عبد الله ولد برام فني عالي
في الأمراض العقلية:
لقد أثبتت الدراسات أن المريض الذي يتم علاجه داخل المنزل يمكن دمجه في الحياة النشطة أسرع من المريض العقلي الذي يقضي فترة داخل المستشفيات والمصحات النفسية كما أنه يجب على المواطنين أن يعوا أن الأمراض العقلية كأي مرض ويمكن أن تزول إذا ما تمت العناية والتكفل بالمرضى.
الدكتور صدفي ولد الشيخ أمين عام الرابطة الموريتانية للأخصائيين النفسيين للصحيفة:
في هذا الإطار قمنا بإعداد دراسة مشروع التكفل بالمرضى النفسيين الموجودين في الشوارع، وقد قدمنا هذا المشروع لبعض الممولين ولم نحصل حتى الآن على الرد.
الجنون ليس مفهوما في علم النفس، بل هو مفهوم "إنتر بولوجي" وبالتالي لا يجب استعمال هذه العبارة لأنها عبارة قوية وإنما تستعمل كلمة المريض النفسي .. أما بخصوص الفرق بين المرضى العقليين والنفسيين فالكثير من المراجع لا تستعمل العبارتين بنفس المعنى وإن كان المرضى العقليون يمكن أن نقول بأنهم يعانون من اختلال وظيفي كانفصام الشخصية مثلا.
أما الأمراض النفسية فيمكن أن نسميها بالأمراض "العصابية" كالهستيريا" والقلق والسبب الحاسم فيها هو سبب نفسي محض، وهي أقل خطورة ويتم علاجها عن طريق جلسات محادثة نفسية، عكس الأمراض العقلية الأخرى التي تعالج عن طريق الأدوية والعلاج النفسي. المجتمع الموريتاني له إرث كبير في الازدراء بالمريض النفسي، وعدم الفهم السليم لحالة المرضى العقليين،هناك أمثلة من الموروث الشعبي تدل على ذلك ك"الدكيك إلى انكب ما يرجع كامل" أي أن من فقد العقل لا يمكنه استرجاعه وهذا فهم خاطئ. هناك أولوية للأمراض العضوية لدى المجتمع والدولة لأنها قد تؤدي إلى الموت كما أن الأمراض العقلية قد تؤدي للقضاء على حياة المريض النفسي وتعرضه إلى الموت الاجتماعي الذي يفصل المريض النفسي عن محيطه ومجتمعه.
أساسا يجب علاج المريض العقلي داخل المحيط الذي تولدت بداخله أسباب مشكلته، لأن العلاج خارج المحيط قد يعيده إلى نفس المشكلة إذا عاد إلى نفس البيئة.
الأسباب النفسية مجموعة من التراكمات التي يعيشها الإنسان من بداية ميلاده، وهذه الأزمات تتراكم حتى تصل إلى درجة لا يكون الفرد قادرا على إخفائها، وبالتالي يتم ظهورها على السطح وربما تتصادف مع مشكلة معينة أو حدث ما، وهذا ما يمكن أن نسميه القشة التي قصمت ظهر البعير.
المريض العقلي يلاحظ الناس من حوله وأي حركة تصدر عنهم يعتبرها موجهة ضده فمثلا عندما تسلم على المريض العقلي وتضغط على يده بقوة سيعتبر هذا نوعا من العداوة ضده، كما أنك إذا أطلت النظر إليه يعتبر ذلك عداوة أيضا وربما يسمع أصواتا تحثه وتثيره ضد الآخرين.
نسبة كبيرة من الأسرة في المستشفيات الأمريكية مخصصة للمرضى النفسيين لأن التنمية لا تقوم إلا على كيان بشري سوي، هناك انقلاب في القيم والمفاهيم لدى المجتمع نتيجة الهجرة من الريف إلى المدينة مما أدى إلى حدوث اصطدام في المفاهيم البدائية لدى المواطن الموريتاني مع مفاهيم العولمة الحديثة.
و جهات نظر
يلخص محمد محمود ولد التقي "موظف" وجهة نظره بالقول: العامل الاقتصادي والمشاكل الأسرية من أهم أسباب الجنون، نصادف يوميا مجانين بعضهم هادئ والبعض الآخر خطر، ونتمنى أن تقوم الجهات المختصة بجمع كل هؤلاء وإيداعهم في المشافي والمصحات المختصة، بالتعاون مع أهالي المرضى كما يجب توفير الرعاية الطبية والنفسية لهم، وحمايتهم من المخاطر التي يتعرضون لها.
تقول السيدة توت بنت اعل: هناك زيادة ملحوظة في أعداد المجانين في الشارع خاصة في مقاطعات السبخة والميناء وملتقى طرق وسط المدينة، نأمل من الأسر والهيئات المسؤولة أن تهتم بهؤلاء المرضى، وإذا فشلت في ذلك لابد أن يتم إيداعهم بالمصحات للعلاج، وتضيف أناشد المعنيين إيجاد الحلول وتوفير العلاج للمرضى الذين تخلى عنهم ذووهم وحمايتهم وحماية المجتمع من أخطارهم..
و يعتقد عبد الله أن اتساع تعاطي المخدرات من أهم أسباب الجنون، وتشديد الرقابة والعقاب يحمي من الخطر الأول والثاني.
أماسيدي سالم ولد محمد فيظن أن بعض الناس لديهم استعداد لفقدان العقل بفعل عدم القدرة على احتمال الضغوط النفسية والبطالة وارتفاع الأسعار والأمثلة كثيرة على ذلك.
مما يؤسف له أن بعض الأسر لا تستطيع تحمل عبء مرضاها العقليين لأن التعامل معهم يكون صعبا للغاية.