الصفحة الأولى arrow تحقيقات arrow تنظيم الأسواق: بين استهداف مصدر الرزق ... والقضاء على بؤر الفوضى والعشوائية
تنظيم الأسواق: بين استهداف مصدر الرزق ... والقضاء على بؤر الفوضى والعشوائية طباعة ارسال لصديق
19/02/2008

تحقيق : المامي ولد جدو

الأسواق والمحال التجارية بالعاصمة هي موضع اهتمام كل الناس وكل من يرغب بالشراء تكون وجهته إلى الأسواق الواقعة بالقرب من سوق العاصمة إلا أن أوضاع هذه الأسواق والمحال يعتريها عدد من المشاكل كانعدام التنظيم في الأسواق التي تغلب عليها العشوائية، وعدم التدخل في تنظيم هذه المحال التجارية من حيث مكان النشاط مما أدى إلى أن تتمركز بعض الأنشطة في مكان واحد دون الأماكن الأخرى، الأمر الذي يتسبب في الضغط على الخدمات في تلك المناطق دون غيرها. كما أن هدم عدد من الأسواق العشوائية -في السابق- نتج عنه مشاكل لبعض التجار بعدم الحصول على محال بديلة.

 

ويجمع الكثيرون على أن سوء تخطيط هذه الأسواق والمحال التجارية المنتشرة بالعاصمة أدى إلى الاختناقات المرورية والازدحام -لعدم وجود مواقف كافية للسيارات- وتسبب في الحوادث المرورية وذلك لوجود بعض المحال على طرق عامة كما أنها تعمل على تشويه المنظر العام للأسواق والمحال التجارية بسبب اختلاف واجهات هذه المحال...يوم روتيني........تزداد أعداد المتسوقين خلال ساعات الذروة استعدادا لاستقبال يوم جديد, اعتاد الكثير من العامة إقحام أنفسهم و التبضع في ساعة واحدة تقريبا في الوقت الذي تبدو فيه الأسواق الراقية في أحياء تفرغ زينة مثلا خالية نسبيا من المتسوقين وتبدو أسواق اخرى في توجنين وعرفات شبه مهجورة، و تشهد الأسواق الشعبية إقبالا منقطع النظير لا يقارن بالإقبال على الأسواق الراقية, "الصحيفة" واكبت عملية التنظيم وإزالة البؤر العشوائية الجارية  في عدة أسواق شعبية بالعاصمة بعيدا عن أسواقها الراقية، وحاولنا أن نرصد حركتها ونراقب جوانب جذبها للكثير من المتسوقين في مختلف أحياء العاصمة المترامية الأطراف وتفضيلهم لها على بعض الأسواق، كما حاولنا رصد أراء بعض التجار والمتسوقين وبحثنا عن مصير الباعة المتجولين الذين يشكلون عامل نشاط  مصدر قلق..!البوصلة!يبدو أن البوصلة تتجه دائما نحو سوق كبتال -ما شاء الله- وهو سوق العاصمة الرئيسي الذي يجتذب نحوه سكان الأحياء الشعبية من توجنين وعرفات و حتى تيارت و دار النعيم ... وتجد  أن أغلب سيارات الأجرة تعتمد خطين معروفين للسير هما "كلينك" أو مرصة كبيتال وتأخذ هذه الأخيرة قسطا أكبر من المتنقلين، هذا الأمر يؤدي لاكتظاظ السوق بالمتسوقين والباعة الذين يعتبرون في كثير من الأحيان أكثر عدد من مرتادي السوق ويرجع ذلك إلى أن أغلب أصحاب المحلات يعتمد اكثر من شخص لتوزيع وتسويق بضاعته وينتشر هؤلاء في أزقة السوق الضيقة ويتخذون من الأرصفة والممرات مكانا مناسبا لاعتراض الزبناء.هذا الوضع دفع بالبلدات المتعاقبة لمحاولة إجلاء هؤلاء الباعة وتنظيم السوق بحيث يتسع لاستقبال الجميع دون خوف من الاحتكاك الذي يؤدي عادة لانتشار حالات النشل والسرقة، كما أن الزحام يعيق عمل فرق مكافحة الحرائق عند وقوع الحريق لا قدر الله.سوق لحموم كان المحطة الأولى لنا حيث يشهد هذا السوق إقبالا كبيرا بالرغم من تواجده في منطقة شعبية وضيق مساحته نسبيا، ولم يمنع -عدم توفير مواقف كافية للسيارات- المتسوقين من انكبابهم على واحد من أقدم أسواق مدينة نواكشوط المتخصصة في بيع الخضار واللحوم  والأسماك, ويُرجع المواطن أعمر ولد محمد سعيد احد بائعي الخضار أسباب تجاهل الكثير من المتسوقين للأسواق الراقية واتجاههم للأسواق الشعبية إلى احتواء الأسواق الشعبية على البضائع الأكثر جودة من الأخرى التي تحتوي عليها الأسواق الراقية، مشيرا إلى أن الأسواق الشعبية غالبا ما تتوفر على أغلب المواد الغذائية التي يرغب الزبون في اقتنائها،ويرى أن الأسعار المناسبة لمختلف البضائع التي تحتويها الأسواق الشعبية تعد سببا آخرا لاجتذاب المتسوقين الذين يجدون المبالغة في الأسعار بالأسواق في الأحياء الراقية سببا لهجرها.ويؤكد احد أصحاب المحلات بسوق العاصمة أن هذا السوق يعتبر  الأكثر استقطابا للمتسوقين بالرغم من ضيق المساحة وقلة مواقف السيارات المتاحة فيها، ويرجع  ذلك الإقبال الكبير للمتسوقين إلى نوعية البضائع التي توفرها ا تلك الأسواق ووقوعها في موقع وسط بين المقاطعات.ويقول احد الزبائن الذي التقته "الصحيفة" بسوق العاصمة إن الكثير من الناس اعتادوا على التسوق بسوق العاصمة ويرى أنه يجتذب أكثر المتسوقين ومن مختلف الفئات كفئات الدخل العالي والمتوسط والمحدود, مرجعا ذلك إلى رغبة المتسوقين في اقتناء البضائع التي تتسم بالجودة مقابل سعر في متناول الجميع في ذات الوقت، كما أن الأسواق والمحلات الراقية في مقاطعة تفرغ زينة  ينفر منها معظم المتسوقين نظرا لارتفاع الأسعار بشكل خيالي للبضائع التي تعرضها تلك الأسواق.الدكتور بادي ولد الخليفة متخصص في الجغرافيا والتهيئة العمرانية للصحيفة:فكرة تطوير هذه الأسواق سوف تحولها من أسواق نمطية إلي أسواق نموذجية تجذب أعدادا كبيرة من المتسوقين والسياح لأنها تقع وسط المدينة ولها رونقها وجاذبيتها، وهذا ما سوف يراعي تماما في خطة التطوير التي تتبناها البلديات  والتي يجب أن تكون بمتابعة وتنسيق مستمر من مجلس  يشكل من تجار كل سوق.لا شك أن العملية الحالية تدخل في إطار لا مركزية الخدمات التي هي ضمن برامج الدولة لأن هناك حاجة ملحة لتطوير وتحديث الأسواق الشعبية التي وصلت الآن إلي حالة سيئة جدا خاصة أنها تقع في مناطق مهمة فإذا تم تطويرها بشكل حضاري فسياهم ذلك في زيادة الحركة التي ستمتد إلي هذه الأسواق وبالتالي تعود بالنفع علي التاجر نفسه.وإذا لم  نعمل على إنشاء مدينة متحضرة.. فإن تلك المساحات الواسعة التي نحلم بأن تحتلها الأحياء العصرية ستتسع نحوها رقعة البناء غير المنظم.. وتحتلها العشوائية المستشرية ، ولن يكون هناك أي تطور.. بل امتداد لما هو موجود من ارتجال..عائق آخر.! بائعة الخضار في سوق "الفحم" ترفض الرحيل رغم أنها توافق آراء من سبقوها بأن الأسواق الشعبية هي الأكثر إقبالا واجتذابا للمتسوقين لما تحتويه من بضائع متنوعة ترضي مختلف الأذواق وتتوافق مع دخل جميع فئات المجتمع مهما كان، لكنها بالمقابل ترى انه لا بد من إعادة النظر في تنظيم أسواق مدينة انواكشوط الشعبية وزيادة مساحاتها ومضاعفة وتخصيص أماكن جديدة لاستيعاب بائعات الخضار والسمك, كونهم يستقبلون اكبر شرائح المجتمع وهم الفقراء.احتجاجات على الإجلاءبعد قرار التنظيم الذي يأتي لمعالجة وضعية هذه الأسواق  وفك طلاسم الازدحام المروري الذي تتسبب به كونها تقع على شارع رئيسي يشهد كثافة مرورية كبيرة فضلا عما تشكله من الأضرار الصحية نتيجة عدم التزام البعض بشروط النظافة وسلامة البيئة خاصة في سوق سيزيم و سوق مسجد المغرب ووقفة "أف".وقد طالب  العديد من المواطنين والسائقين بضرورة تغيير موقع بعض الأسواق كونها تقع بين أحياء سكنية، وعلى النقيض من ذلك أبدى بعض بائعي الملابس والأحذية والاكسسورارت و أصحاب بسطات  الخضار والفواكه تذمرا من قرار إزالة المواقع العشوائية كونها تتسبب في أزمة المرور وإعاقة السير. ويأمل هؤلاء بإعادة النظر بهذا القرار مؤكدين انه يتعارض مع توجهات الحكومة بتشجيع إقامة الأسواق الشعبية الموازية التي تستفيد منها شريحة كبيرة من المواطنين أصحاب الدخول المحدودة، وعبروا خلال حديثهم -للصحيفة- عن سخطهم للقرار مشيرين إلى أنه يجب بالموازاة مع قرار التنظيم تحديد مواقع جديدة يعرضون فيها بضائعهم ويقيمون عليها أنشطتهم ورأى البعض أن ما أشيع عن اقتراح سوق "سوسيم"  -الواقع على شارع الفقراء- لا يخدم سوى شريحة قليلة منهم لأن أغلبهم لا يستطيع دفع إجار محل في مثل هذا السوق، كما أنه ربما يحمل في طياته محاولة لإنعاش بعض الأسواق الراكدة تجاريا كسوق "مرصة ولد الحسن" الواقعة بمقاطعة توجنين والتي يعتقد البعض أنها ربما تكون السوق "البديل"..!موضحين  أن غالبية "الطوابل" التي تم نصبها داخل السوق كانت مستأجرة وعدد قليل من الأماكن تم شراؤها على نفقتهم الخاصة، لذا يجب على الحكومة -حسب بعض الباعة- حل مشكلة البطالة من خلال توفير فرص عمل للمواطنين وليس تضييق الخناق على الباعة الصغار -على حد تعبير أحد هؤلاء- كما أبدى العديد من ملاك السوق استعدادهم للتعاون مع الجهات المسئولة من اجل استمرار عملهم في السوق الذي يوفر السلع الجيدة ويعمل فيه عدد كبير من الباعة الذين ينفقون على مئات الأسر.نائب رئيس المجموعة الحضرية السيد الخليل ولد مولودحملة التنظيم ليست حالة عشوائية ولا آنية  ونقطة ساخنة في الطريقمن المعروف أن الحكومات المتعاقبة كانت تقوم بحالات إجلاء لمحتلي الأماكن العمومية خاصة أمام الأسواق وتطارد الباعة المتجولين لكن مصير هذه الحملات يؤول إلى الفشل دائما بسبب عدم توفر إرادة سياسية صادقة تدفع في سبيل ذلك كما المواطن يعتقد دائما أن التنظيم يستهدف لقمة عيشه والعكس صحيح لأنني لا أعتقد أن الفوضى تخدم الصالح العام.الحملة الحالية تهدف إلى إعادة الميدان العمومي إلى حالته الطبيعية وبما أن الإرادة السياسية متوفرة فعلينا أن نسعى جميعا لفرض النظام وإعادة الأمور لحالتها الطبيعية  ومن المعروف  أن الأسواق تعاني من خلل تنظيمي وعشوائية مفرطة لذا قررنا البدء بتنظيم هذه الأسواق لأنها تعتبر بالنسبة لنا المشكلة الكبرى وقد استهدفت الحملة بداية ثلاث مقاطعات هي تفرغ زينة و السبخة والميناء لأن أسواق هذه المقاطعات هي الأكبر كما أنها تعج بمظاهر الفوضى وعدم احترام النظام العام وستطال الحملة في المراحل اللاحقة جميع مقاطعات نواكشوط وسيتم إجلاء كل من يعتدي على الميدان العمومي و سنصادر ملك كل من يحتجز الأماكن العامة وعندما تعود الأمور لحالتها الطبيعية فإن البلديات كفيلة بالمحافظة على النظام.الخطة المستقبلية التي نسعى من أجلها هي أن يكون لكل مقاطعة سوق متخصص بسلع معينة فمثلا الميناء من المفترض أن يكون سوقا خاصا ببيع السمك والسبخة سوق خاص ببيع الملابس المستعملة...يجب أن تتغير عقلية المواطن البدوية لأنها هي السبب في تفاقم ظاهرة استغلال الملك العمومي والمحافظة على وجه المدنية الحضري يعتبر محافظة على صحة المواطن كما أن تعمير الأسواق الخالية أو الراكدة هو ظاهرة صحية وليس هدفا سيئا في حد ذاته، كنا قد قمنا بإعداد دراسة لتنظيم الأسواق وكان من المفترض أن يتم تطبيقها على أرض الواقع منذ أشهر لكن بعض الأحدث التي شهدتها البلاد حالت دون إتمام الأمر.يجب على المواطن أن يعي أن التغيير لا يأتي من القمة فقط بل بمساعدة القاعدة الجماهيرية التي تؤثر بحيويتها وغيرتها على مصالح الوطن وليس العكس.إن انتشار القمامة والأوساخ بهذه الأسواق أمر ضار بصحة المواطنين وبالبيئة بشكل عام وهي سبب مباشر في تفشي الأمراض والأوبئة وعادة ما تنبعث روائح كريهة ناتجة عن تلف المواد والأغذية ورميها على قارعة الطريق وبين ممرات  الأسواق  الأمر الذي يعيق حركة المارة ويتسبب في ضيق التنفس والاختناق فعندما يكون في إحدى البلديات في العاصمة وقفة يقال لها وقفة "أف" يجب على عمدة تلك البلدية "مجازا" أن يستقيل لأن الأمر هو تعبير عفوي عن امتعاض المواطن. كفانا عشوائية..يجب أن تكون العاصمة -التي هي واجهة البلاد- داخل لوحة رائعة من الجمال تطل بها على زوارها ا.. وما يعكر صفو ذلك ان يوجد  خلف تلك اللوحة قطعة باهتة من القماش هي الأسواق العشوائية وعلي سبيل المثال سوق "كبيتال" سوق السبخة "سوق الفحم" "سوق مسجد المغرب"...إلخ  وهي الأسواق الشعبية الشهيرة بالعاصمة ورغم تمتعهما بالموقع التجاري والجغرافي المتميز إلا أنها لا تتمتع على الإطلاق بأي قدر من الخدمات العصرية أو حتي أي شرط من شروط السلامة الصحية أو البيئية، وسلامة زوارها غير مضمونة في حالة ما نشب  حريق ما ..يوجد بهذه الأسواق كم هائل من البسطات "طوابل" وتلال من القمامة والمخلفات المنتشرة في كل مكان، بالإضافة إلى مجموعة من الحفر والمطبات.. وبالكاد تحصل علي موطئ قدم لكي تسير..!ويجمع  الكثيرون على أن تنظيم الأسواق سوف يؤدي إلي زيادة الحركة التجارية عكس ما يتخيله البعض لذلك لابد أن تكون هناك خطط متكاملة للتطوير فلابد أن تتطور المحلات وأن تتغير سلوكيات التجار وأساليب العرض والبيع وأن تراعي دوما الاشتراطات البيئية والصحية وأن تتوافر الخدمات اللازمة من الكهرباء والمياه والصرف الصحي.. وتعتبر دراسة مستقبل التجارة والأسواق في مقدمة الأولويات التي يجب أن تهتم بها البلديات وتسعي لحل مشكلة الأسواق الشعبية الشهيرة التي تحتاج إلي تطوير وتحديث.. ويجب أن يكون  هذا السعي للتطوير من منطلق مشاركة واحتياجات تجار هذه الأسواق، وألا يأتي مفروضا عليهم من بعيد.. كما أن تطوير هذه الأسواق سوف يحولها إلي مناطق جذابة للتسوق خاصة أن بعضها يتمتع ببعد تقليدي، بالإضافة إلي ما تتمتع به من شهرة شعبية واسعة جعلتها تحظي باهتمام كبير لدى جميع سكان العاصمة وحتى مدن الداخل، كما أن أي تطوير أو تحديث لا يراعي وضع الباعة المتجولين لن يري النور لأن وجودهم أصبح من أساسيات الأسواق الشعبية رغم أنهم يشكلون عقبة في ذلك، إلا أن تقنين أوضاعهم سوف يحول وجودهم الكثيف إلي طاقة شرعية،وعدم إغفال حالة هؤلاء -الذين يشكلون بؤرة قلق في هذه الأسواق- يساهم في تحولها  إلي مناطق جاذبة للمستهلك بشكل عام.

 

 
< السابق   التالى >