الصفحة الأولى arrow رأي arrow الدكتور محمد ولد بوعليبه في مقابلة مع جريدة "الصحيفة":
الدكتور محمد ولد بوعليبه في مقابلة مع جريدة "الصحيفة": طباعة ارسال لصديق
04/03/2008

أجرى المقابلة د/ حماه الله ولد مايابى

" الدكتور محمد ولد بوعليبه أستاذ الأدب المقارن بجامعة نواكشوط حاصل على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة الصربون 1990 تولى التدريس منذ 1989 وشغل منصب رئيس قسم الأدب الفرنسي بكلية الآداب، ورئيسا لتحرير مجلة حوليات، وأمين عام رابطة المبادرة المدنية، ومنذ 1999 يرأس جمعية النقد العربي وله العديد من الكتب والبحوث باللغتين العربية والفرنسية التقته الصحيفة على هامش أنشطة جمعية النقد المقام هذه الأيام وحاورناه حول الهم  الثقافي وقضايا التعليم والإصلاح الجامعي.

 

الصحيفة: دكتور مرحبا بكم د/ بوعليبه: أهلا بكم اهتماماتكم الثقافية ستجعلني أبدأ منه، لما يلاحظ اليوم من تراجع لدور الثقافة والمثقفين في حين كان المثقف يلعب الدور الأبرز طاول تاريخ هذا المجتمع، وقد جسد المثل القائل:" اللا في ركاب و الل في كتاب" هذه المكانة، فكيف  لأمة أن تنشد أسباب الرقي دون التوكؤ على ركن شديد من الثقافة ؟د/ بوعليبه: منذ أن بدأت الحقائق التاريخية حول هذا البلد تظهر، والأكيد أن الحقائق حول هذا البلد بدأت مع القرن14 عشر الميلادي 8 الهجري يظهر لنا صدق المقولة: الواردة في سؤالكم أي أن المعنيين بشأن البلد كانوا بالفعل يحملون همومه التاريخية، فكان صاحب الركاب ساهرا على الشواطئ غربا وجنوبا، وذلك خشية أن تضع القوى المتربصة بالبلد يدها عليه، ولعل ذلك السهر هو الذي أدى إلى يأس هيمنة برتغالية إسبانية حاولت خلال القرن 15 عشر الميلادي والهجري السيطرة على البلد وقد تمت لها في نفس القرن المسيطرة على مناطق من مغربنا الكبير كسبتة وامليله اللتين لازالتا تحت الاحتلال  وطمجنة التي تحررت لاحقا و بقي حملة الركاب على ما هم عيه في صد هجمات الهلنديين ثم الانجليز حتى جاء الفرنسيون ولا مجال هنا للدخول في تفاصيل تلك الحقبة، فالبعض منا يعرف ما جرى.أما عن الشق الثاني من هذه المقولة، فبالفعل قد كانوا قساة على أنفسهم فيما يتعلق بخدمة ثقافتهم ودينهم وترسيخ دين الله والحكم بأحكامه ونهج سنة رسوله فأعطوا للدين أبعاده الحقيقية وسهلوه فعم وساد.لقد بذلوا أكبر ذكاء في شرح السبكي ووقفات إمام الحرمين في الأصول، كما برعوا في شرح مسائل الفقه المتمثلة في المختصرات كمختصر الشيخ خليل وابن الحاج ورسالة ابن أبي زيد القيرواني وغيرهم.كما شروحهم كتب النحو كابن هشام وألفية أبن مالك وفي العقيدة والتوحيد شرحوا ثلاثيات السنوسي من صغراه ووسطاه وكبراه، ولعلنا نتذكر شرح عبد الله الدليمي لصغرى السنوسي خلال القرن10 هـ 16م، وكان مقررا في محاظر  تيشيت وتوجد منه نسخ في المكتبات التيشيتية.وبتصوري أن الحقبة التي تحدثت عنها والواقعة ما بين القرن 14م و 19م  وهي حقيقة أن المجتمع بذل جهودا حضارية وعلمية تحسب له في ميزان التاريخ.وما تم إنجازه يرجع فيه الفضل إلى أن النخبة كانت تعي دورها التاريخي وكانت تحس إحساسا كبيرا بالمسؤولية.في الماضي كانت الفئة التي تحس بالتاريخ شديدة الحرص على أن تكون منجزاتها في مختلف المجالات تشهد على الدور التاريخي الذي تقوم به، ويبدو لي أننا في هذه الحقب الأخيرة لم نعد نتحلى بإحساس السلف إزاء مسؤولياته التاريخية، فأصبحنا نتصرف في بعض الأحيان وكأننا لا نشعر بأن عيون التاريخ تنظر إلى أعمالنا وأفعالنا وتسجل ذلك.إننا نلاحظ عدم الالتزام بالمبادئ  يكاد يعم لدى النخبة ونتائجه مشاهدة للجميع، وقد أضعف هذا الواقع العلاقة بين النخبة والقاعدة، وكان من المفروض أن تكون هناك علاقة جدلية بين تلك والنخبة وقاعدتها وأن تتأثر هذه، بتلك وتلك بهذه وهذا غير حاصل اليوم للأسف الشديد ولا أمل قريبا في إصلاح هذه الوضعية أو العلاقة المنكسة ما بين النخبة والقاعدة.الصحيفة: هل أفهم من هذا أن الأزمة الحاصلة الآن هي أزمة أخلاق؟  د/ بوعليبه:أنا لا أقول ذلك تماما ولكني أرد هذه الأزمة إلى مناهج في الحياة ورؤى كانت لدى الناس لم تعد في الحقيقة لدى أبناء زماننا أما هؤلاء فيعود عدم التمسك بالمبادئ لديهم إلى كثرة الإحاطات خلال العقود المتأخرة، فأصبحوا يكفرون بكل شيء تقريبا.الصحيفة: ما هي رؤيتكم لعملية إصلاح التعليم الجارية الآن؟  د/ بوعليبه: أنا أنظر إلى التعليم من داخل المؤسسة التي أعمل بها، هذه الجامعة دخلتها قبل 19 عاما من الآن، كانت المشاكل التي نعاني منها 98-90-91 هي مشاكل متعلقة بالجهاز التدريسي الذي كان يومها يحتاج إلى مزيد من التكوين، نقص حاد في المراجع والكتب، ناهيك عن القاعات وبقية البنى التحتية، وفورا تنبه النظام يومها فجعلها مؤسسة سياسية، وفتحها أمام كل من يريد موقعا في الجامعة، ليبرر من خلاله موقعا في مراتب الدولة ويقفز منه ماديا وطبقيا، كان هم معظم من دخلوا الجامعة يومها من المتسيسين وذلك هو الحلم الذي يراودهم في التعيين يوما ما، وحتى أنهم في بعض الأحيان لم يكونوا حاصلين على المؤهل الشكلي الذي هو الشهادة.إن وجود هذه المجموعات وانتظارها للتعيين في مراتب الدولة، كان كارثة على الجامعة وعلى المحتوى العلمي، الذي يجب أن يدرس فيها وفتحها من طرف السلطة السياسية لهذه  الشريحة من طلاب الوظائف أفسد على الجامعة أداء رسالتها، فدخلت عليها من جراء ذلك أمراض المجتمع من قبلية وجهوية وعرقية، وبدلا من تملي الجامعة رسالتها العلمية على المجتمع أصبحت رهينة للحالمين بالقفز الطبقي.بدأ التفكير في الإصلاح الجديد من طرف هذا الجيل وهو يدرك أكثر من غيره أن الجامعة فشلت في إعداد شهادة الإجازة (المتريز) ناجعة فكيف لها أن تعد دكتوراه ناجحة، والغريب أن هذه المجموعات قامت بإفساد التدرج العلمي في الجامعة، فأضحى الطالب الذي كان بها بالأمس والحاصل على لقب دكتور في هذه الألفية يفوق من حيث الرتبة أستاذة الذي حمل الرتبة قبله بعشرات السنين.والأغرب أن مجتمعا وأنظمة سياسية تتعاقب على البلد ولا هي تطرح على نفسها أي تساؤل من شأنه أن يضع الأمور في نصابها والأدهى والأمر أن الذين يهيئون لتدريس نظام الدكتوراه لا صلة لهم بالبحث العلمي.إذا في ضوء ما تقدم يمكن للدولة وللمجتمع أن ينخدع ردحا من الزمان بما يطرحه هؤلاء ولكن التاريخ ونعود هنا إلى ما بدأنا منه كفيل بكشف كل ذلك.الصحيفة: كيف سيكون حال قطار تنمية البلد إذا كان معطل غرفة القيادة التي هي الجامعة ؟ د/ بوعليبه: بطبيعة الحال سيبقى متخلف ومعنى التخلف هو أن يصل به تقصير مؤسساته التعليمية إلى مستوى من التدني في المستويات يصبح معه الإنسان داخل المجتمع لا يميز بين الجيد من الرديء ولا الجميل من القبيح والأفضل من المفضول أي التخلف بعينه، معنى ذلك أن الجامعة كرست على مدى العقود التخلف بدل النمو وكرست المجتمع القبلي بدل المدني، والسياسي المتلون كالحرباء بدل الباحث الذي يؤمن بالله وبالعلم كرسالة.الصحيفة: لقد قاربتم الصورة من وجهها القاتم، لكن هل تقترحون بدائل من شأنها تصحيح الوضع؟د/ بوعليبه: إن الحقب التاريخية الأخيرة هي وحدها المسئولة عن هذه النتائج المتردية التي تحدثت عنها، ولقد تحدثت عن هذا الواقع عبر وسائل الإعلام في الزمن الذي كان البعض يتعمد فيه إفساد مؤسساتنا التعليمية والجامعة على الخصوص.إنني لأذكر مقال في جريدة الشعب قبل 18 عاما بمناسبة مرور 30 عاما على الاستقلال الوطني الذي تحدثت فيه عن كون إنشاء الجامعة جاء بقرار سياسي قبل تحصيل الشروط الأكاديمية، وقد تحدثت بعد ذلك سنة 2002 في جريدة أخبار نواكشوط، عندما قلت أن الجوائز ليست بدائل عن ما هو أساسي وهو إصلاح تعليم في حالة يرثى لها.إن مواقفي تلك لم تتغير، لقد أعلنتها في وقتها وأنا أعي ما أقول وأعمل.

وليست لدي اقتراحات جاهزة ولا حلول سحرية لأزمات لم أكن المسئول عنها، ولكني أتمنى لهذا البلد و لتلك كل المبادرات التي تنشد الإصلاح النجاح، مع جزمي بأن الحلول التي قدمت حتى الآن لن تعطي إصلاحا.

 
< السابق   التالى >