الصفحة الأولى arrow تحقيقات arrow رحلة الآلام.. في المستشفى الوطني
رحلة الآلام.. في المستشفى الوطني طباعة ارسال لصديق
03/06/2008

تحقيق : المامي ولد جدو

ما بين معاناة المواطنين ووعود الوزارة يبقى القطاع الصحي أمام مأساة حقيقية.. مشاريع متعطلة لم تكتمل بعد، ومراكز ومستشفيات تفتقد للتجهيزات والأدوية و تفتقد أكثر إلى مهنية العاملين بها..اذ تنحصر قدرة الجهات المختصة في توفير جزء بسيط من الأدوية الضرورية والحساسة  فيما يعج العالم حولنا بمئات الآلاف من الأدوية الحديثة بل واستطاعت العيادات الخاصة رغم بيروقراطيتها وغلائها أن تسحب من الوزارة -التي تقدم خدمة عامة- البساط  لتضعها أمام مفترق طرق.

 

إذا كان من حق المواطن أن يكون له سرير في المستشفيات العامة، فكيف هو الحال مع هذه الحقيقة التي يؤلم الحديث عنها كل من اضطرته المعاناة لطرق أبواب المستشفيات العامة فيكتشف أن التحويل معجزة وان التنويم يحتاج إلى واسطة وأن سعر الأدوية مؤلم..! وبالتالي فهو يواجه بيروقراطية نظام لديه الكثير من الأمراض الإدارية المستعصية..إن تسليط الضوء على الواقع الفعلي للوضع الصحي ، لابد أن يطال  المستشفيات وواقعها الذي يعكس حقائق التدهور والتداعيات المستمرة في مجمل النشاطات التي تقوم بها تلك المستشفيات، التي  يجب أن تحوي أغلب فروع الطب، والخدمات الإسعافية الأولية اللازمة، حيث يأخذ المواطنون على هذا المستشفيات العامة أن عدد الأقسام النوعية (أي التخصصية)لا يستوعب أعداد المرضى، لأنه لم  يجر تحديث  لها وبقيت على ما هي عليه وبالتالي لم تعد تساير الاحتياجات الصحية للمواطنين، كما أنها تعاني من الاختناقات الشديدة بسبب محدودية طاقاتها الاستيعابية..الصحيفة زارت المستشفى الوطني وأعدت التحقيق التالي..

أولى الصدمات..

لعل أولى الصدمات التي يتلقاها قاصد مركز الاستطباب الوطني تلك الطوابير الغير متناهية من مرضى بلغت حالاتهم الصحية وضعا خطيرا لا يسمح لهم بالتدافع داخل الأمواج المتلاطمة من المرضى والمعتلة أجسامهم..هنا حدث ولا حرج، فأحدهم يفترش الأرض ويلتحف السماء، ولم يعد بمخيلته أنه سيلقى خلاصا أو حالة أفضل مما هو عليه، فقد ألف أن يقضي الساعات الطوال في هذه الوضعية لعل القائمين على المستشفى يعيرونه أي اهتمام..!وهذا يسحب في آخر رمق، وآخر سال لعابه لسوء ما هو عليه، وجماعات ممن يحملون أجهزة التبول في أيديهم على قارعة الطريق، ينتظرون الطبيب الذي أوصدت دونه الأبواب الحديدية ووقف دونه حراس مفتولي العضلات، حتى ليخيل إلى المريض المسكين أن البواب الذي يمنعه من مقابلة الطبيب قد أوكلت إليه مهمة مصارعة المرضى وإبعادهم بقوة جعلتهم في الأخير ضحية مطامع هذا أو ذاك في تلك الحاشية التي تصول وتجول في أروقة وممرات مركز الاستطباب الوطني.يقول المواطن محمد لحبيب ولد أعمر أحد مرتادي المستشفى" يعتبر مركز الاستطباب الوطني ساحة للإعلان التجاري يعلن فيها الأطباء عن عياداتهم الخاصة التي ما شاء الله ملأت الدنيا وشغلت الناس، وخصخصة فيها الأنفس وأخلاقيات العمل الطبي وخصائصه المهنية والإنسانية".وتعلق سيدة أخرى مسنة جاءت رفقة طفلة تعاني من ضيق في التنفس "الربو" " القادم إلى هذا المستشفى عليه أن يقبع وبكثير من الذل والمهانة تحت أرجل زائري المركز من المقربين الذين لا يسد أمامهم باب، وبعد أن ترفسه أرجل الحسناوات وخلق الله من آدميين وحشرات في فضاء المركز -الذي تعود عماله قدوم المرضى قبلهم بساعات وانتظارهم فيه- يأتي الأطباء الذين عادة ما نقدم قبلهم حيث يتجمع المرضى ويملؤون الساحة وفضاء المركز ولا يأبه بهم أي من الأطباء أو من يدعي بموظفي المركز، لينتقلوا إلى المكاتب فيصل فلان وفلانة، فسبحان الذي جعل البعض يحل أموره قاعدا، والبعض الآخر قابعا مهانا تحت أرجل الصراصير والذباب والنظرات العبوسة لمخاليق الرحمن.".ويقول محمد ولد البار الذي جاء رفقة والدته العجوز المريضة" منذ فترة وأنا أنتظر في هذه الشمس الحارقة أن يعطف علي عمال المستشفى ويحضروا لي سريرا اسحب عليه والدتي العجوز إلى الداخل،..ويتساءل: أيعقل أن يتحول مركز الاستطباب الوطني إلى سوق نخاسة وامتهان كرامة البشر وصحتهم وأحاسيسهم؟ كيف يصبح المستشفى مركز سمسرة وساحة معارف شخصية ووساطات قبلية.. مضيفا: لقد تجاوزت العيادات الخاصة المعقول واللامعقول، وأفلت الأطباء من دوائر السيطرة، إن كانت هناك سيطرة أصلا، إذا كان أغلب موظفي وعمال المستشفى يعاملوننا بهذه العجرفة فكيف بهم في عياداتهم الخاصة؟ هم ليسوا مسؤولين عن شيء ولا يحدد القانون مهامهم العامة فكيف بالخاصة؟ وإن حددت فلا ناهي ولا منتاهي..!وتقول مواطنة أخرى:" إن سوء معاملة الأطباء وموظفي المركز مع المرضى دليل على حريتهم اللامحدودة..! فمقتنيات المركز وأوقات العمل يعتبرها الأطباء والعمال ملكا لهم، وحتى المرضى الذين تتم سمسرة أكثر من ثلثهم بتوجيههم إلى عياداتهم الخاصة مما جعلهم بقرة حلوب بكل ما تحويه العبارة من دلائل، مما يدل على تدني المسؤولية والاسترزاق بطرق يتأنف عنها  الجاهل فكيف بالمتعلم.

الحلول في مكتب الوزير

إذا كانت الحلول لا توجد إلا في مكتب الوزير فإن الحلول التي يراها معاليه تثير تحفظات وتساؤلات أيضا.. فالهيئات المعنية ترى أن الخدمات الصحية الجيدة للمواطن في القطاع الصحي أشبه بالحلم في ظل قلة عدد الخريجين من التخصصات المطلوبة والهامة جدا لذلك ربما يحتاج الأمر إلى مائة عام كي يتحقق ويبدو أن الوزير متفائل كثيراً.. أما واقع المستشفيات العامة والمراكز الصحية فلن يتحسن إلا بتحويلها إلى شركات مساهمة بدءاً من هذا العام ولا عجب أن يصرح المسؤولون بحقيقة مؤلمة تتعلق ببنود الصيانة التي تكلف الوزارة مئات الملايين سنويا فيقولون ضعف الاعتماد المخصص للصيانة دفعهم للتعامل مع مؤسسات  أقل جودة إن كانوا يتعاملون أصلا مع مؤسسات من أجل صيانة وتحديث المستشفيات التي هي في أمس الحاجة لذلك..وعلى أطبائنا الذين بدؤوا منذ زمن طويل بتطبيق نظرية "التسرب" علناً من القطاع العام -وربما يكون تسربهم أكثر من تسرب ا لبنات من التمدرس..!- انتظار نتائج دراسات لا زالت في طور الإعداد من أجل ملائمة العملية وخلق قوانين جديدة لتنظيم العمل بهذا لقطاع الحيوي.وفيما لا يزال موضوع الأمراض الغامضة والأخطاء الطبية هاجس فعلي و الإسعافات الأولية بطيئة والتخصص غائب.. يبقى الحديث عن واقع المستشفيات أكثر ايلاماً..وإذا كانت الأخطاء الطبية يعدها المواطنون القشة التي تقصم ظهر وزارة الصحة.. باعتبارها بئراً يبتلع الضحايا.. إلا أن غياب الكثير من المراكز الصحية أو عدم توفر الكوادر الطبية في بعض ما يتوفر من مراكز أو نقص الأجهزة الضرورية.. يعد أيضا آباراً تبتلع المزيد من الضحايا

.ماذا يريد المواطن من وزير الصحة؟

لا يعتبر مرتادوا المستشفى الوطني وصف الصحة بأنها لا تواكب التطور الموجود في العالم من حولنا بالمبالغ فيه.. إذ وصف حالهم يكفي لإثبات ذلك.. كما أن تصريحات المسئولين تعكس وجود نقص واضح  تعترف به الجهات المختصة و تأمل في تجاوزه.مع أن هم غياب المراكز المتخصصة يشغل الكثيرين، إلا أن هم نقص الخدمات في المستشفيات الموجودة على ارض الواقع يشغل الآلاف أيضا.حيث تعتبر السالكة بنت حبيب التي جاءت رفقة والدتها المسنة  بأن بعض الخدمات في المستشفى الوطني يمكن أن يقال بأنها غير موجودة، فهي تقوم على طبيب واحد، وقسم واحد، وتجهيزات متواضعة، فيضطرون إلى السفر إلى الخارج سعيا وراء التجهيزات المتكاملة، والعناية والرفق والمهنية...، وهو واقع يحتاج لإعادة النظر فيه، لأن المفترض أن تكتمل المنظومة الصحية في هذا العصر الذي يتميز بالتطور التكنولوجي السريع.ولا يُغيب أهالي المرضى أهمية البحث عن حل ناجع لنقص الأدوية، فعدم توفرها يعني الموت البطيء للمريض، وحسب منينه بنت أحمد فإن غلاء الأدوية في الصيدليات الخاصة يسقط عن المرضى خيار البحث عن البدائل.كل هذا لا يحدث من قبيل الصدفة، ولا يحدث مثله في المستشفيات الخاصة التي تهدف إلى الربح، وتعتبر المريض رأسمالها ومصدر دخلها، وتحرص على سمعتها لجذب المزيد من الزبائن وليس طردهم أو التخلص منهم بإعطائهم مواعيد بعيدة.لا توجد حكومة في دولة متحضرة في عالم اليوم تأخذ على عاتقها إسعاف مريض مصاب بالجلطة أو معالجة مريض يشكو من الإسهال، فواجب الحكومات يقتصر على الطب الوقائي، أما الطب العلاجي فتشتريه الحكومة من المصادر التي تستطيع تقديمه بكفاءة عالية وكلفة أقل.حيث يرى بعض المعنيين ضرورة فصل المستشفيات الحكومية عن وزارة الصحة، وعملها تحت مظلة مؤسسة عامة علاجية، فالمؤسسة العلاجية تضم المستشفيات العامة، تـدار بنفس الطريقة التي تدار بها المستشفيات الخاصة، وتتعاقد معها الحكومة لتقديم الخدمات الطبية للفئات التي تختارها.بهذه الطريقة تتخلص الحكومة من أعباء مادية ومعنوية، وتتفرغ وزارة الصحة للطب الوقائي ومسائل الدواء والغذاء ومياه الشرب والصحة العامة. ويحتفظ القطاع العام بدوره في الرعاية الصحية، أما عن مستويات الخدمة ودرجة ثقة الناس بها فحدث ولا حرج، وهكذا تتواصل رحلة الآلام في المستشفى الوطني..

أخيرا

تعتبر وزارة الصحة من أقدم الوزارات نشأة، مما يعني أنه من المنطقي بمكان أن تكون الوزارة المذكورة قد حظيت بقدر كبير من الهيكلة والأداء المتميز مما يتطلب منها إنشاء لجان رقابة ومتابعة لهياكلها المنهارة في كافة أنحاء البلاد..فلم نسمع عن وزارة دولة تفشل في كافة المجالات دفعت واحدة وتفقد السيطرة على توابع هي في الحقيقة أقرب إليها من حبل الوريد، فالفشل الذريع والسقوط الشنيع باتا السمة البارزة لأداء قطاع الصحة وما يناط به من مهام..        

 

 
< السابق   التالى >